عبد الوهاب الشعراني

5

الجوهر المصون والسر المرقوم

ويقول الغزالي في إحياء علوم الدين إن الطريق في ذلك أولا بانقطاع علائق الدنيا بالكلية ، وتفريغ القلب منها ويقطع الهمة عن الأهل والمال والولد والوطن وعن العلم والولاية والجاه ، بل يصير قلبه إلى حالة يستوى فيها وجود كل شئ وعدمه ، ثم يخلو بنفسه في زاوية مع الاقتصار على الفرائض والرواتب ، ويجلس فارغ القلب مجموع الهمة ، ولا يشغل فكره بشئ الا بالتأمل ولا غير الطريق فيحظر على السالك أن يخطر بباله شئ سوى اللّه ، ويبدأ قائلا بلسانه اللّه ، اللّه على الدوام مع حضور القلب حتى ينتهى إلى حالة يترك فيها تحريك اللسان ويرى أن صورة اللفظ وحروفه وهيئة الكلمة ويبقى معنى الكلمة مجردا في قلبه حاضرا فيه كأنه لازم له ويظل هكذا متعرضا لنفحة من نفحات رحمة اللّه وينتظر ما يفتح عليه كما فتح على الأنبياء والأولياء . ويقول عبد القادر عيسى في ( حقائق عن التصوف ) فالخلوة إذن انقطاع عن البشر لفترة محدودة ، وترك للأعمال الدنيوية لمدة يسيرة ، كي يتفرغ القلب من هموم الحياة التي لا تنتهى ، ويستريح الفكر من المشاغل اليومية التي لا تنقطع ، ثم ذكر اللّه تعالى بقلب حاضر خاشع وتفكر في آلائه تعالى آناء الليل وأطراف النهار ، وذلك بإرشاد شيخ عارف باللّه ، يعلّمه إذا جهل ويذكره إذا غفل ، وينشطه إذا فتر ، ويساعده على دفع الوساوس وهواجس النفس . والخلوة عند الصوفية تهدف في المقام الأول أن ينفرد المريد بنفسه ويشتغل بالذكر أو قراءة القرآن أو التفكر والتدبر أو محاسبة النفس والتأمل في ملكوت السماوات والأرض ولكن ليس هكذا يفعل المريد من نفسه بل لا بد أن يكون له شيخ قائد له ومرشد له في الطريق حتى لا تختلط عليه الأمور وحتى يكون مستعدا ومؤديا بشروط الخلوة كما يجب للدخول فيها وذلك حتى يصل في النهاية إلى الارتقاء بنفسه والتخلص من عيوبها ثم بعدها وهو الأهم تلقّى الإلهامات الربانية أو الفتوحات كما يسميها البعض وهذه التي لا تنتج لا بالفكر ولا بالفهم بل بالتلقى الإلهى مباشرة